الجمعة، 29 أبريل 2016

في ضيافة عائلة الشهداء

إن أردت الذهاب لـتغـليـسية تقطع 7 كلم من مقر البلدية جمعة أولاد الشيخ في طريق قاس جدا على السيارات العادية ولا تسلكه أية حافلة، لكن المنظر الطبيعي يشدك اليه خاصة في فصل الربيع
كان الألمان في وقت غير بعيد  يقصدونه يوميا للرياضة أو لاستنشاق الهواء العليل وسط زقزقة العصافير التي لا تنقطع وشتى أصناف الحيوانات الأليفة ولما غادروه حرصوا أن يحملوا معهم بعضا من تراب سهوله ،
وصلنا حوش ماجن وأول ما شدنا اللوحة التي أقامها أخ الشهيد والتي تقول: "عائلة الشهداء ، ماجن موسى يرحب بكل مواطن جبهة التحرير "
استقبلنا أولا عبد القادر ابن أخ الشهيد وهو شاب في مقتبل العمر ، فقدمنا أنفسنا وبأننا نمثل جمعية أولياء التلاميذ للمتوسطة التي تحمل اسم الشهيد فرحب بنا أشد ترحيب ، ثم دخل البيت وعاد وهو يحمل صينية عليها اللبن وخبزة كسرة  كلاهما من انتاج الطبيعة الصافية وكرم العائلة الشريفة
ثم جاء والده  أحـمـد فاستقبلنا بفرح كبير وطاف بنا في أرجاء الحوش ودخلنا البيت القديم أين كانت تسكن العائلة ابان الاستعمار، وهو بيت حجري يتكون من ثلاث غرف ، احداها تعود للشهيد أثناء فترة زواجه التي دامت فقط 6 أشهر
ثم راح يحكي عن كل سفح من الجبال القريبة وعن كل واد ويستذكر المعارك والملاحقات التي حدثت بتلك المناطق وللعلم فان منطقة جمعة أولاد الشيخ قدمت 800 شهيد من أبنائها، ثم أشار للمكان الذي ترك فيه الشهيد ثيابه ( العباءة البيضاء، الشاش الأبيض والسروال العربي) ليكتشفه في الصباح الوالد عبد القادر ليدرك أن ابنه قد التحق  تلك الليلة بالثورة كما كان  يخطط

سرعان ما علم المستعمر بالتحاق محمد مــاجــن باخوانه المجاهدين فجاءوا لاعتقال زوجته ، ولم يكن بالبيت غير الزوجة وأم الشهيد السيدة  فاطمة  فحالت بكل ما أوتيت من قوة لتمنعهم من اقتيادها ونجحت بالفعل
عند عودة رب الأسرة الكبيرة السيد عبد القادر أول ما قام به أن أخذ زوجة ابنه لعائلتها ظنا منه أن جنود الاحتلال وجندرمته سيعودون مرة أخرى لاقتيادها للمركز

ونحن في هذا الحديث الشيق جاء مـوسى الأخ الأكبر للشهيد ولا يزال في لباسه كما كان أخوه الشهيد أي اللباس العروبي والعمامة البيضاء ، حمل معه صورة والديه رحمهما الله ، وطبق ثان به القهوة والتمر ، إنه في ملامحه يشبه الشهيد الذي لم يترك صورة عنه لكن الجميع يؤكد أن موسى أقرب شبها له فقط أن وجه الشهيد أقل انتفاخا وهو أطول بسنتيمترات من موسى
سألناه أولا عن اللافتة المكتوبة بمدخل الحوش ، فأجاب:  إنها تعبير عن فخري واعتزازي بهذا الوطن الذي تهون في سبيله كل التضحيات ، وقد حرصت أن أقيم هذه اللافته وطلبت من ابنتي أن تكتب  عليها ما كان يدور في أعماقي
كنا حقا ضيوفا  أعـــزاء لساعة من الزمن مرت كلمح البصر ،



لما عرض الشهيد على والديه عزمه الالتحاق بصفوف المجاهدين، قال الأب: يا ولدي أنت شاب بلغت من العمر 20 سنة فقط وأنت حديث عهد بالزواج ، ابقى مع زوجتك وأمك ، وأنا سأذهب مكانك.
رد محمد : لا يا أبي فالثورة بحاجة  أكثر للشباب وقوته وعزيمته وأنا كما ربيتماني أهل لهذه المهمة

ذات صباح استيقظ الأب فجرا كعادته ولما بدأت الشمس تسطع بنورها ، لمح الوالد رزمة من ثياب فذهب يتبين ماهيتها،  وسرعان  ما اكتشف الحقيقة فضمها الى صدره يحتضنها ويقبلها فسالت دموعه وبللت تلك الثياب الطاهرة وعاد الى البيت ليخبر أهله ويطلب منهم كتمان الأمر
منذ تلك اللحظة لم تتوقف الأم عن البكاء كلما دخل ابناؤها أو مرت على وجنتيها سحابة تذكرها بإبنها
رأته ذات ليلة في المنام فقال لها: لماذا تبكين يا أمي فأنا قد تزوجت من حورية من السماء ، كفي عن البكاء واسألي الله الجنة لنلتقي جميعا رفقة الأحبة والشهداء

هذا قليل من كثير حدثنا به أهله وأصدقاؤه ستتعرفون عليهم من خلال التسجيل
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق